ابن حزم

130

رسائل ابن حزم الأندلسي

وهكذا كل أشياء استوت في جنس أو نوع أو فصل ، فإنها كلها فيه متساوية لا يفضل في كونها إياه بعضها بعضا أصلا بوجه من الوجوه . ورسم الفصل هو أن تقول : هو الذي تتميز به الأنواع بعضها من بعض تحت جنس واحد ، والفصول موجودة في الأنواع بالفعل ، وفي الجنس بالقوة . نريد بالقوة : إمكان أن يكون ، وبالفعل : أنه قد كان ووجب « 1 » [ 15 و ] وظهر ووجد ، فإنك إذا قلت : الحي ، فإن النطق فيه بالقوة ، أي أن بعض الأحياء ناطقون ، ولو كان النطق « 2 » فيه بالفعل لكان كل حي ناطقا ، وهذا محال . وأنت إذا قلت : الحيّ الناطق ، فالنطق فيه بالفعل أي أنه قد ظهر ووجد . والنطق الذي يذكر « 3 » في هذا العلم ليس الكلام ولكنه التمييز للأشياء والفكر في العلوم والصناعات والتجارات وتدبير الأمور ، فعن جميع هذه المعاني كنينا بالنطق اتفاقا منا . وكل إنسان فناطق النطق الذي بيّنا ، إلا من دخلت على ذهنه آفة عرضية ، وإلا فبنيته ، ولو رمى الحجارة ، محتملة - لو زالت تلك الآفة - لكل ما ذكرنا . وليس كذلك سائر الحيوان ، حاشا الملائكة والجن ، فإنه لا يتوهم من شيء من الحيوان غير ما ذكرنا فهم الأمور التي وصفنا . وأما الفصول إذا حققتها فكيفيات ، إلا أنها لا تفارق ما هي فيه ولا تتوهم مفارقتها له إلا ببطلانه . وكذلك « 4 » المعنى الذي صارت به الأشخاص تسمى أنواعا وأجناسا ، فإنه أيضا كيفية كما ذكرنا . وأنت إذا وجدت فصلا ذاتيا تستغني به في تمييز ما تريد منه من الأنواع ، فاكتف به ولا معنى لأن تأتي بفصل آخر . فإن اضطررت إلى فصول كثيرة ، ينفرد النوع الذي تريد أن تفصله من غيره بجميعها وتشاركه أشياء أخر « 5 » في كل واحد منها على الانفراد ، فلا بد أن تأتي بجميعها أو بما ينفرد منها به ليتم لك التمييز والتخليص الذي تريد إبانته .

--> ( 1 ) س : وجب . ( 2 ) س : الناطق . ( 3 ) م : نذكره . ( 4 ) س : وذلك . ( 5 ) م : أنواع أخر .